التداعيات الممكنة للحرب الإيرانية – الإسرائيلية على شمال إفريقيا

 

التداعيات الممكنة للحرب الإيرانية – الإسرائيلية على شمال إفريقيا

رغم ما يبدو من بُعد جغرافي بين منطقة الشرق الأوسط ودول شمال إفريقيا، فإن التوترات والحروب التي تنشأ في الأولى سرعان ما تنعكس ارتداداتها على الثانية، بحكم التداخلات الجيوسياسية، والتشابك الاقتصادي، والتقاطعات الأمنية ولذلك فالحرب الإيرانية–الإسرائيلية المتصاعدة نموذجًا حيًّا لتأثير النزاعات الإقليمية الكبرى على فضاء جيوسياسي هشّ كالمنطقة المغاربية، التي تجد نفسها مضطرة لإعادة تموقعها في نظام عالمي مضطرب، ضمن توازنات معقدة بين مواقفها الداخلية، وتحالفاتها الخارجية، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية المتنامية.

أولًا: التداعيات الاقتصادية المباشرة (الطاقة، الأسواق، وسلاسل الإمداد)

تعتبر الطاقة إحدى أهم القنوات التي تنتقل اليها تداعيات أي نزاع في منطقة الخليج أو بحر العرب إلى شمال إفريقيا، وذلك نظرا لاعتماد اقتصادات مغاربية عديدة، لاسيما المغرب وتونس، على استيراد الطاقة من الأسواق الدولية، وإذا ما امتدت رقعة النزاع الإيراني–الإسرائيلي الى المنشآت الحيوية في الخليج العربي أو مضيق هرمز، فإن ذلك سيؤدي، بلا شك، إلى قفزات حادة في أسعار النفط والغاز، تنعكس فورًا على ميزانيات الدول المستوردة، وتفاقم من عجزها التجاري والمالي.

كما أن أي اضطراب في الملاحة عبر البحر الأحمر أو الخليج سيؤثر سلبًا على تدفق السلع والمواد الأولية نحو الموانئ المغاربية، لاسيما بالنسبة للواردات الغذائية والإلكترونية التي تمر عبر الموانئ الآسيوية والخليجية، وعليه، فإن الصدمة قد تمتد الى مس القدرة الشرائية للمواطن، وترفع من معدلات التضخم، وسوق العمل.

في المقابل، قد تنشأ فرص ظرفية لدول كمثل الجزائر وليبيا، اللتين يمكن أن تتحولا إلى موردين بديلين للطاقة نحو أوروبا في ظل تعطل إنتاج بعض المصدرين التقليديين، غير أن اغتنام هذه الفرصة مشروط بعوامل لوجستية وأمنية داخلية، وقد يحمل في طياته أبعادًا جيوسياسية جديدة تتطلب من هذين البلدين تبني سياسات خارجية أكثر ديناميكية ومرونة.

ثانيًا: التوترات السياسية الداخلية وإعادة إحياء الانقسامات الأيديولوجية

غالبًا ما تكون النزاعات الدولية ذات الطابع الرمزي – كالصراع بين إسرائيل ومحور المقاومة – مناسبة لإعادة تشكيل الاستقطابات الأيديولوجية داخل الأنظمة السياسية المغاربية، ولذلك فمن شأن الحرب الإيرانية–الإسرائيلية أن تعيد تفعيل خطوط الصدع بين التيارات الإسلامية والقومية والليبرالية، خصوصًا في ضوء الاصطفافات المختلفة حول مفهوم "المقاومة"، وشرعية التطبيع، ومكانة القضية الفلسطينية في الوعي الجمعي.

في المغرب، حيث توجد علاقات رسمية مع إسرائيل منذ الاتفاق الثلاثي 2020، قد السلطة نفسها أمام ضغط داخلي متصاعد في حال وقوع انتهاكات جسيمة في غزة أو لبنان أو إيران، مما قد يُحرج صُنّاع القرار ويضعهم أمام معادلة معقدة بين الالتزام بالتفاهمات الدولية والتهدئة الداخلية، وتزداد خطورة هذا التوتر في سياق اجتماعي يعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية واحتقان اجتماعي.

وفي تونس، حيث لا توجد علاقات رسمية مع إسرائيل، قد تكون المواقف أكثر تحررًا، لكنها تظل عرضة لاستثمار سياسي داخلي من طرف بعض التيارات لإعادة توجيه النقاش العام نحو قضايا الهوية والصراع الحضاري.

ثالثًا: التهديدات الأمنية والاختراقات السيبرانية

بما ان الحروب المعاصرة لم تعد مرتبطة بالجبهات العسكرية التقليدية، بل باتت تتجاوز ذلك الى الحروب السيبرانية التي تستهدف البنية التحتية الحيوية والمعلوماتية للدول، وفي هذا الإطار، قد تتحول الأنظمة المعلوماتية في بعض الدول المغاربية إلى أهداف محتملة لهجمات إلكترونية، إما بسبب اصطفافها الرمزي أو الجغرافي ضمن محور معين، أو نتيجة تسربات تقنية من هجمات موجهة إلى دول أخرى.

كما أن وجود شبكات إيديولوجية عابرة للحدود متعاطفة مع أحد أطراف النزاع (سواء إيران أو إسرائيل) قد يشكل تهديدًا داخليًا حقيقيًا، يتمثل في محاولات استقطاب، أو نشر خطاب تعبوي، أو تنفيذ عمليات نوعية باسم "التضامن" أو "الثأر"، مما يستدعي يقظة استخباراتية ودبلوماسية على حد سواء.

رابعًا: الانعكاسات الدبلوماسية وإعادة تموقع شمال إفريقيا في النظام الإقليمي

تجد دول شمال إفريقيا نفسها مضطرة، في ضوء هذا النزاع، إلى إعادة حسابات تموقعها الإقليمي والدولي، لاسيما في علاقاتها مع القوى الفاعلة في الخليج، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي.

فبالنسبة للمغرب، فإن تداخله الأمني والدبلوماسي مع إسرائيل والخليج يجعله في موقع حساس، حيث سيكون عليه الموازنة بين التزاماته وخصوصياته الداخلية، خاصة إذا تصاعدت الانتقادات الشعبية أو الإقليمية لسلوكه الدبلوماسي.

أما الجزائر، التي تبنت موقفًا صلبًا ضد التطبيع، فقد تستثمر الأزمة لمزيد من الخطاب السيادي المعادي لإسرائيل، وتقديم نفسها كفاعل مستقل ذي موقف مبدئي في الساحة العربية والإفريقية، غير أن هذا الموقف قد يُفاقم من حدة التوتر بينها وبين المغرب، ويُضيف طبقة جديدة من التنافس المغاربي–المغاربي في ظرف دولي لا يتحمل مزيدًا من الانقسام.

وعليه فان الحرب الإيرانية–الإسرائيلية، رغم أنها لم تُعلن بعد كحرب شاملة، لكنها تحمل في طياتها ديناميات إقليمية ودولية شديدة التعقيد، وإن كانت منطقة شمال إفريقيا بعيدة جغرافيًا عن ميدان المعركة، إلا أنها تظل معرضة لتداعيات متعددة المستويات، اقتصادية وأمنية وسياسية ودبلوماسية، ومن ثم، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه دول المنطقة لا يتمثل في موقعها من النزاع فحسب، بل في قدرتها على التفاعل الذكي مع تداعياته، بما يضمن الحفاظ على استقرارها الداخلي، وتوازنها الخارجي، ومصالحها الاستراتيجية على المدى المتوسط والطويل.

العربي الموصار

باحث في العلوم السياسية

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بداية جيدة لأطروحتك العلمية "بعض الأسئلة حول الأسلوب والتنظيم"

عملية إنقاذ ريان وجهة نظر مختلفة

سيناريوهات الصراع بين إيران وإسرائيل