سيناريوهات الصراع بين إيران وإسرائيل

 

يشهد الشرق الأوسط في منتصف عام 2025 تصعيدًا خطيرًا بين إسرائيل وإيران، يتجاوز الطابع الرمزي للصراعات السابقة، ويقترب من حافة مواجهة إقليمية شاملة، فبعد أكثر من عام ونصف على اندلاع حرب غزة في 7 أكتوبر 2023، أعادت إسرائيل رسم معالم التوازنات الميدانية من خلال ضربات نوعية استهدفت وكلاء إيران في غزة ولبنان وسوريا، قبل أن تنقل المعركة إلى العمق الإيراني عبر اغتيالات مباشرة لقيادات عسكرية وعلماء نوويين، ورغم الرد الإيراني المحدود، إلا أن المؤشرات السياسية والاستراتيجية تدل على دخول الصراع في مرحلة حساسة، تتقاطع فيها الاعتبارات العسكرية مع الحسابات الدبلوماسية التي تديرها إدارة ترامب الثانية.



أولاً: هيمنة اسرائيل كفاعل فوق التوازنات

تحول موقع إسرائيل فيما بعد 2023 من طرف يرد على التهديدات، الى فاعل مبادر يعيد صياغة خطوط الاشتباك، من اغتيال قادة حزب الله في بيروت إلى تصفية قيادات حماس في غزة، ثم انهيار النظام السوري أواخر 2024، وكل هذه التطورات قوت الدور الإسرائيلي كقوة أمنية مركزية، والأكثر من هذا تم توسيع نطاق العمليات إلى العمق الإيراني في يونيو 2025، في سابقة تؤشر إلى تحوّل إسرائيل إلى طرف يُجيد فرض وقائع جيوسياسية بالقوة، غير أن هذا التفوق الميداني لم يُترجم إلى استقرار سياسي، بل عمّق القلق الإقليمي من تغوّل إسرائيلي خارج أطر الشراكة أو التفاوض.

ثانيًا: توازن المصالح بين الخليج وإيران

 في هذا السياق، أعادت دول الخليج تقييم أولوياتها الاستراتيجية، فبعد سنوات من تأييد سياسة الضغط الأقصى على إيران، أصبحت اليوم الداعم الاهم لمسار تفاوضي معها، خشية أن تؤدي الحرب إلى تقويض استقرارها الداخلي ومشاريعها التنموية، كما ترى الرياض وأبوظبي والدوحة أن غياب إيران عن أي معادلة إقليمية يسمح لإسرائيل بفرض واقع أحادي، ولذلك، سعت هذه الدول إلى لعب دور الموازن الاستراتيجي، سواء عبر وساطات عُمانية، أو مبادرات سعودية لتقاسم التكنولوجيا النووية السلمية، أو مقترحات قطرية لضمانات دولية مشتركة، وهذا التوجه لا يرفى الى مستوى التقارب مع إيران، انما استشعار لمخاطر الانفجار غير القابل للاحتواء.

ثالثًا: ترامب بين دعم تل أبيب والانفتاح على طهران

         أبانت إدارة الرئيس ترامب في ولايته الثانية نمطًا مزدوجًا من السلوك السياسي.، فمن جهة، تُواصل دعمها غير المشروط لإسرائيل عسكريًا وتقنيًا، ومن جهة أخرى، أطلقت مسارًا تفاوضيًا مباشرًا مع إيران، بدعم خليجي، في مسعى لمنع الانزلاق إلى حرب كبرى، وقد رفض ترامب ضغوط نتنياهو لشن هجوم شامل على المنشآت الإيرانية، واختار بدلًا من ذلك نهج التهدئة التكتيكية مع طهران، تجلت في اتفاق تهدئة مع الحوثيين، ورفع العقوبات عن النظام السوري الجديد بقيادة أحمد الشرع، وهذا التوازن الهش بين دعم إسرائيل وضبط اندفاعها يعبّر عن براغماتية سياسية، لكنه أيضًا يفتح المجال أمام تناقضات استراتيجية قد تنفجر في أية لحظة.

رابعًا: سيناريوهات محتملة لمسار الصراع الإقليمي

أ‌-       سيناريو التسوية المشروطة

يتم التوصل إلى اتفاق نووي جديد، بضمانات خليجية وتنازلات إيرانية محدودة، مقابل تجميد إسرائيل لضرباتها الميدانية، ويؤدي هذا السيناريو إلى خلق توازن إقليمي مرن، يحد من التصعيد ويعيد دمج طهران ضمن ترتيبات أمنية جديدة.

ب‌- سيناريو التصعيد المنضبط

يستمر الوضع الحالي، من تنفيذ إسرائيل المزيد من العمليات الدقيقة، وردود محدودة من إيران، دون الوصول إلى حرب شاملة، وهذا السيناريو يُبقي التوتر قائمًا ويحول الخليج إلى منطقة وساطة دائمة.

ت‌- سيناريو الحرب الإقليمية المفتوحة

تفشل المساعي الدبلوماسية، وترد إيران على إسرائيل برد واسع يتجاوز الخطوط الحمراء، ما يؤدي إلى اندلاع حرب مباشرة تؤثر على المنشآت النفطية الخليجية، وتُهدد الأمن الطاقي العالمي.

يقف الشرق الأوسط في 2025 أمام مفترق طرق خطير، فالمعادلة الحالية تقوم على توازن قلق، تُديره واشنطن بتكتيكات مترددة، وتُحاول دول الخليج تعديله عبر الوساطة، بينما تسعى إسرائيل إلى فرض معادلتها بالقوة، وأمام هذا المشهد، تبدو التسوية الكاملة خيارًا بعيدًا لكنه ضروري، لتفادي الانهيار الكامل للمنظومة الإقليمية، فأي نظام جديد لن يستقر دون توازن ثلاثي بين إسرائيل، وإيران، ودول الخليج، يضمن الحد الأدنى من المصالح المتبادلة ويمنع الانفراد بالقرار الإقليمي.

 العربي الموصار

باحث في الدراسات السياسية

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بداية جيدة لأطروحتك العلمية "بعض الأسئلة حول الأسلوب والتنظيم"

عملية إنقاذ ريان وجهة نظر مختلفة