أزمة التمثيلية السياسية..

كما سبق وكتبنا أن ازمة الديموقراطية، تكمن في كون التمثيلية السياسية تراجعت عن القيام بأدوارها، اذ الغرض الرئيسي من وضع المؤسسات التمثيلية كان هو العمل على خلق التوازن الاقتصادي والاجتماعي داخل المجتمع، والانتصار للطبقات الدنيا، والرفع من مستواها الاجتماعي، ومحاولة توسيع دائرة الطبقة الوسطى، والحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية والثقافية، الا ان الشعوب كلما اختارت ان تضع ثقتها في نخب تكون قريبة منها في البداية ماديا واجتماعيا، تتفاجأ بالتهام اللوبيات الاقتصادية والانساق الفاسدة لهذه النخب، فتنخرط هذه الاخيرة في هذه الانساق، وتصبح في النهاية بعيدة عن هموم الشعوب وهموم الفئات المقهورة التي دفعت بها الى الأمام، فتصير في النهاية هي المستفيد الجديد في اللعبة، ولا تكتفي بالصمت بعد ذلك بل تتجاوزه الى الدفاع عن الوضع القائم، فيتغير الخطاب بتغير وضعها وتتغير مواقفها تلقائيا، الا انه هناك استثناءات. 


هذه الاستثناءات، أي النخب الصامدة أمام الاغراءات، قد تجعلنا نتساءل عن سبب صمودها وعدم انخراطها في النسق، مع قلتها وندرتها من طبيعة الحال، يلعب وضعها الاجتماعي ومستواها الثقافي وتكوينها المعرفي، قبل الانخراط في اللعبة السياسية دورا مهما في بقاءها على مبادئها والقيم التي تؤمن بها، بالاضافة الى عوامل أخرى لها علاقة بالسيكولوجية والانتربولوجيا، فغالبا ما تكون هذه النخب السياسية من البورجوازية الصغيرة المنخرطة في الشأن العام، لا تعبيرا عن احتجاجها عن وضعها الاجتماعي كالنخب الاخرى، وبمجرد تغير وضعها تتغير مواقفها، بل غالبا ما يكون ذلك هواية وفقها لسنن التغيير والمساهمة فيها حسب الممكن، فتقوم بدورها وتدع التاريخ يحكم على فعلها ويقيمه.


اعتقد ان دورنا في هذه الحالة ليس أن نطالب هذه النخب التي تندمج في النسق بالمعجزات، ولا أن نبحث عن نخب جديدة تقوم بنفس الدور، بل الاهتمام وتركيز الجهود نحو الداء الذي يفتك بالجميع، اذ هذه الفئات المحتجة على هذه النخب هي نفسها مستعدة لتقوم بنفس الامر، لو كانت في مكان سابقتها، والاخطر من ذلك أن ما يؤول اليه الوضع يكون سببا في خلط الناس بين التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي، فتنشغل بهذا الاخير، فتصير المواجهة بين الشعب والنخب التي فوضها، عوض أن تكون المواجهة بينه وبين البنية التي تنتج هذا الوضع، فالمؤسسات السياسية عندنا لحد الان لا ترقى اصلا الى القيام بأدنى الادوار المنوطة بها، بل جيء بها لتكون مصدر اسكات وواجهة لا مصدر سلطة وتغيير.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بداية جيدة لأطروحتك العلمية "بعض الأسئلة حول الأسلوب والتنظيم"

عملية إنقاذ ريان وجهة نظر مختلفة

سيناريوهات الصراع بين إيران وإسرائيل