الكتابة سيرة ذاتية...


في الحقيقة دائما أسأل لماذا نكتب، أسأل نفسي انا الذي لم أتخصص ولم أتعمق في شيء، عندي معارف سطحية، لا تصلح أن أخوض بها معاركا فكرية وثقافية، لأنها غالبا ما تكون معارفا متجاوزة عند النخبة التقدمية، اكتشفها فتكون جديدة عندي فقط. ولكن سرعان ما أتذكر أن مجتمعاتنا أصلا لا تضع ضمن أولوياتها النقاشات والحوارات الثقافية، وبالتالي حتى الإنتاجات الجديدة التي تعانق إشكاليات راهنة هي أيضا لن تحظي باهتمام الناس، لان اهتماماتهم خارج ذلك كله. اهتماماتهم مادية بالأساس، وبالتالي الصراع الحقيقي الذي يخوضه الناس صراع ضد الفقر والبطالة وليس صراعا ضد الجهل، بحيث لا يمكن لجائع أن يفكر في الفلسفة والسياسة. وحتى الدائرة التي يخوضون فيها صراعا ضد الجهل، تكون غايته الانتصار في معركة البطالة، أي يدرسون لكي يجدوا وظيفة، أو صراع آخر من جهة أخرى يسعى الى البحث عن الذات عن طريق الاستهلاك واشباع حاجات وهمية ومصطنعة.

مرة في احد الحوارات مع صديق، قلت له عليك أن تحاول الكتابة، قال لي لا استطيع، قال أقنعني بذلك، قلت له نحن لا نكتب للناس بل نكتب لأنفسنا، قال كيف، قلت له، إننا نؤرخ لمراحل أفكارنا، إننا نكتب لنعود بعد فترة ونقرا ما كتبناه في السابق، ولتقول لقد كنت بليدا، انظر كيف كنت أدافع على هذه الفكرة الميتة، انظر إلى هذه الأطروحة التقليدية البالية التي سحرت دماغي ذات يوم، إننا نكتب لنتعلم النسبية، إننا نكتب لنتعلم أن ننتقد ما كتبناه، إننا نكتب لنستطيع أن نجيب أنفسنا على سؤال هل نتقدم وهل نتطور أم لا. نكتب من اجل تحقيق الذات من اجل الفعالية عندما نعانق الحرف كموضوع، إننا نعبر فيها عن حياتنا وكفى.


لازلت أتذكر أول مقالة كتبتها، ونشرت في جريدة هوية بريس، كنت أدافع فيها عن تكريم الإسلام للمرأة، وكنت اعتقد أن بعض العلمانيين يجهلون فقط هذا التكريم ليؤمنوا به، أو أنهم يعلمونه ولا يريدون أن يعترفوا به، ويكفي أن اذكرهم به على الأقل، وكانت المقالة مكتوبة بلغة عربية فصيحة جدا، بل حاولت بمشقة أن احملها مصطلحات قديمة لم تعد تذكر، ولفهمها لابد للعودة إلى القواميس، هي معركة أخرى من اجل اللغة العربية، اعتقدت فيها أن إحياء الكلمات القديمة هو مدخل إحياء اللغة، أما آخر ما كتبت فكان دعوة إلى النقاشات المنهجية وكل نقاش خارج المنهج معركة خارج التاريخ، ورجعت فيها إلى كتابات فلاسفة الأنوار حول مناهج التفكير، وأيضا إلى المنهج النبوي في الدعوة. جمعت بين الاتجاهين، وركبت بينهما. قد يبدو الموضوعان متقاربان، في الوهلة الأولى، ولكن هما بعيدان جدا، في البداية كان الدفاع عن المرأة بمنهج سلفي، ولكن لو كتبت اليوم عن المرأة اليوم لدافعت عنها بمنطق الأنوار من جهة وبمنطق التاريخ من جهة أخرى.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بداية جيدة لأطروحتك العلمية "بعض الأسئلة حول الأسلوب والتنظيم"

عملية إنقاذ ريان وجهة نظر مختلفة

سيناريوهات الصراع بين إيران وإسرائيل