كل معركة خارج المنهج معركة خارج التاريخ
إذا كان الله ابتلى العالمين بفيروس كورونا، فانه ابتلى
العالم العربي والإسلامي بمعارك خارج المنهج، تطفو في الأفق ولو في عز حرب العالم
مع كورونا، يخرج علينا في المغرب أبو النعيم واحمد عصيد، يكفر الأول الدولة
والمجتمع لأنهم منعوا الصلاة في المساجد، ويسخر الثاني من دعاء المسلمين لرفع
البلاء، في الوقت الذي يدعو فيه ترامب شعبه الى ذلك. إنه ليس بهذه السهولة وبمثل
هذه المعارك سيدعو الأول المجتمع إلى الرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح كما
يتصوره هو في مخيلته، ويدعوه الثاني إلى إزالة السحر عن العالم، بالاستهزاء
بحرياته الفردية في الاعتقاد والتعبد.
إذا كان عصيد لا يميز بين قيم الحداثة والتنوير وأزمة
الحداثة وما بعدها، ولا يميز الثاني بين أولويات الشريعة الإسلامية ومكملاتها، فان
الأول يجهل قيم التنوير ويخلط بين المقدمات والنتائج، بين المنهج ونتائج تطبيق
المنهج (وهي ليست حتى نتائج اصلية بل هي عرضية جانبية)، إذ لا يمكن للنتائج أن يتم
استعمالها كمنهج والعكس. والثاني يجهل مقاصد الدين الإسلامي ويخلط بين الضروريات ومراتبها
والحاجيات ومراتبها، ولا يمكن أبدا أن يسبق حفظ الشعائر حفظ النفس، ولا أريد أن
أقول حفظ الدين لان حفظ النفس من حفظ الدين، وان سمحنا لأنفسنا أن نقلب المسألتين،
لأمرنا الدين أن نقتل كل من يكفر به. لذلك لا بأس أن نذكّر السلفي أبو النعيم والواعظ
بالحداثة احمد عصيد بنقاشات ومعارك زمن النبوة في العالم الإسلامي، وزمن التنوير
في العالم الغربي.
الدعاء هو نتيجة لرؤية وجودية تؤمن بالتدخل الإلهي في
الطبيعة، ومنع الصلاة حفظا للنفوس هو أيضا نتيجة لرؤية مقاصدية تستحضر كليات
الشريعة الإسلامية ومراتبها. إذا هنا عندنا منهج ونتيجة. عصيد وأبو النعيم لم
يناقشا في المنهج، ناقشا في النتيجة، إذ الأول لم يقدم لنا رؤية وجودية مخالفة علنا،
ويحاول دعوتنا إليها، والثاني لم يناقش في أولوية الفهم الحرفي على الفهم المقاصدي
للنص الديني، ويحاول دعوتنا إليه. هنا أضرب مثالا: لدينا مصنع فيه آلات خياطة، تنسج
لنا ثوبا به خرق، فعصيد وأبو النعيم يقترحون علينا تشغيل مئات العمال لرتق الخرق
عوض إصلاح الآلة. فهي معركة يخوضها سلفي تقليدي وواعظ حداثوي يرتطمان فيها مع
الجدران عوض الأساس. فما هي طبيعة النقاش المنهجي الذي خاضه النبي زمن النبوة
وفلاسفة التنوير في العصر الحديث؟
مكث النبي صل الله عليه وسلم في دعوته ثلاثة عشر سنة
يدعو إلى التوحيد، وهو الذي يشاهد بين عينيه كل الممارسات الناتجة عن الشرك بالله،
ولم يلمس ولو صنما واحدا من مئات الأصنام المحيطة بالكعبة المكرمة، وفي صلح
الحديبية قبل بشروط أهل قريش كلها، بما فيها شكل كتابة الاتفاق، لأنه يدرك تماما
أن المعركة التي يخوضها ليست مع الأشكال وليست مع الأصنام المحيطة بمكة ولا مع قول
باسم الله مكان باسم اللات والعزة (في هذه النقطة أتذكر معركة الحركة الثقافية مع
قول "العالم العربي"، ومعركة السلفيين مع الجهر بالصلاة قبل الإقامة
واعتبارها بدعة) بل يدرك تماما أن معركته مع المنهج وحول طريقة التفكير والرؤية
الوجودية المبنية على الشرك لدى العرب (علاقة الإنسان بالغيب والطبيعة). مستنيرا
في طريقه بالوحي الذي ينزل عليه منجما متدرجا في الأحكام، مبتدئا بقضايا الإيمان
مرورا بقضايا السلوك والمعاملات ومنتهيا بقضايا شكلية متغيرة.
في القرن السابع عشر، كانت كل الكتابات التي انشغلت
بالتحديث، كتابات حول المنهج. لقد كتب فرانسيس بيكون "الأورغانون الجديد"،
وكتب ديكارت "قواعد في قيادة العقل"، و"مقال في المنهج"، وكتب
جون لوك "محاولة في الإدراك البشري"، ورد عليه جوتفريد ليبنتز بـ"محالة
جديدة في الإدراك البشري"، وكتب مالبرانش "رسالة في الحقيقة"، أي
في منهج البحث عن الحقيقة. وكتب ايمانويل كانط في القرن الثامن عشر نقد العقل
المحض. واليوم ندرك تمام الإدراك أن هذه المعارك حول المنهج هي التي غيّرت مجرى
التاريخ، وليست معركة جوردانو برونو في أواخر القرن السادس عشر، الذي تم حرقه حيا بتهمة
الهرطقة، عندما أنكر عقائد الكاثوليكية بطريقة سطحية، فمعركته كانت مع نتاج الآلة
وليس الآلة، وكل معركة خارج الآلة هي حتما وبالضرورة معركة خارج التاريخ.
إن معاركا مثل هاته حتى ولو اعتقد أصحابها أنهم انتصروا
فيها، فإنها انتصارات أبطال خارج الحلبة، انتصارات لا تراها الجماهير، ولا تصل
إليها، بل هي انتصارات تروي ظمأ الذات وحدها، وتنشغل بهموم الذات لا هموم الأمة.
إن معركة تقصير الثوب ضد إسباله، ومعركة المثلية الجنسية والعلاقات الرضائية، في
مستوى واحد، الأولى معركة تحت الكعبين، والثانية معركة تحت الحزام (الخِصر)،
والمعركة الحقيقية يجهلها الطرفان، إنها في الرأس والبطن، الوعي المزيف والتوزيع
العادل للثروة.

تعليقات
إرسال تعليق