الحد الأدنى والحد الأعلى للخطاب السياسي عند عبد الإله بن كيران..
في ملتقى شبيبة العدالة والتنمية بالدار البيضاء السنة الماضية،
جاء على لسان عبد الإله بنكيران، والخطاب موجه للحكومة الحالية (إلى بقات غير ف
التبنديق راه عطا الله لي ابندق). وبعد ذلك وفي المباشر على صفحة فريد تيتي، وهو
يحكي عن التجارب الراديكالية بالمغرب، جاء على لسانه (كولشي تايمشي للغابة ولكن
ملي تايظلام الحال ماتيبقا فيها إلا الحماق).
من خلال هاتين المقولتين يرسم رئيس الحكومة السابقة الحد الأدنى
والحد الأعلى للفعل والخطاب السياسيين الناجعين في عالم السياسة بالمغرب، إذ يحصره
بين حدين، الأول أن لا يكون خارج النسق، فكل خطاب سياسي يعارض خارج النسق لا يزيد
ولا ينقص الحياة السياسة شيء (نموذج العدل والإحسان وأحزاب أقصى اليسار)، فهذا الخطاب
هو الذي وصفه بخطاب الأحمق، لان خطاب الأحمق لا يفهمه أحد، والأحمق يصرخ في الناس
حتى يتعب ولا أحد يلتفت إليه. أما عبارة (ملي تايظلام الحال لايبقى فيها احد) يعني
عندما يعرف صاحب الخطاب في نهاية المطاف أن خطابه غير مجدي لا يلتفت إليه أحد،
يعود من الغابة، أي يراجع نفسه وينظر إلى الواقع فيرجع ليعدل خطابه، ومن لا يريد
فعل ذلك فانه يحكم على نفسه بالحمق. هذا الحد الأعلى من الخطاب.
ثانيا، الحد الأدنى من الخطاب السياسي الفعال بعالم السياسة في
المغرب، أي عندما يرجع الأحمق من الغابة، ويقوم بمراجعات، ويعدل خطابه، ما الحد
الأدنى الذي يجب أن يقف عنده، ليكون صوته مسموعا، وفعله ذا أثر في الحياة السياسة.
يقول (كون بقات على التبنديق كولشي تايعرف ابندق) يعني أن تعديل الخطاب يجب أن لا
ينحدر إلى مستوى الكلام بلسان السلطة، هنا يكون المقصود هو مستوى خطاب الأحزاب
الإدارية التي تفرخها الدوائر العليا بين الفينة والأخرى، ولماذا وجه خطابه للحكومة الحالية؟ وجه خطابه
للحكومة الحالية لان حزب العدالة والتنمية حاليا لا يوجد له خصم، فمن قبل كان
خصومه أحزاب الإدارة، اليوم لم يعد هناك خصم، يعني أصبح خطابه يتمادى مع خطاب
الآخرين، وفي مستوى واحد.
ما أشرنا إليه فيما سبق، تثبته التجربة السياسية المغربية، منذ
انقسام الحركة الوطنية، بين قطبي علال الفاسي وابن الحسن الوزاني، إذ خطاب الأول،
كان محصورا بين الحد الأدنى والحد الأعلى، وهو الأمر الذي أكسب شرعية قوية لحزب
الاستقلال فيما بعد، على خلاف حزب الشورى والاستقلال(1944) والحزب الشيوعي(1943).
وذلك إلى غاية 1958، عندما اختل الخطاب ولم يستطع أن يقف في مستوى الحد الأدنى،
ظهر خط جديد وأسس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وفي ما بعد الاتحاد الاشتراكي
1972، ونجح في التأثير على الحياة السياسية على خلاف الحركة الشعبية 1957، والتجمع
الوطني 1978، والاتحاد الدستوري 1983 (أحزاب إدارية ذات خطاب في مستوى أقل من الحد
الأدنى)، وأيضا أحزاب تجاوزت الحد الأعلى واحتجت خارج النسق ولم يفهمها أحد (منظمة
العمل الديموقراطي، منظمة الى الامام، منظمة 23 مارس)، نفس الأمر مع الشبيبة
الإسلامية.
استطاع خط علال الفاسي وبن بركة وعبد الله براهيم واليوسفي،
التأثير على الحياة السياسية، إلى غاية 2002. كان الاتجاه الوحيد الذي استطاع أن
يتموقع مرة أخرى بين الحد الأعلى والحد الأدنى هو الجماعة الإسلامية، باختيارها
المشاركة السياسية مع حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية (هذا الحزب أيضا
انشق عن الحركة الشعبية)، وعقدوا مؤتمر استثنائي عام 1998 وغيروا الاسم إلى حزب
العدالة والتنمية، وأصبح جاهزا مع دستور وانتخابات 2011، استطاع أن يقوم بعمل كبير
على مستوى الخطاب والتأثير في الحياة السياسية المغربية، إلى غاية 2016. وكان
تشكيل حكومة ستة أحزاب وعودة الإيديولوجية إلى السياسة، مسألتين كفيلتين بجعل خطاب
الحزب تحت مستوى الحد الأدنى وعاد الفراغ السياسي والتذمر واليأس إلى الحياة
السياسية المغربية.
تعليقات
إرسال تعليق